رئيس جامعة الأديان والمذاهب: وحدة الأمة الإسلامية ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات المعاصرة
صرح حجة الإسلام والمسلمین الدكتور مصطفى جعفرطیاری، رئيس جامعة الأديان والمذاهب، في حوار بمناسبة حلول “أسبوع الوحدة”، الذي يتزامن مع الذكرى الـ 1500 لميلاد خاتم الأنبياء، النبي محمد المصطفى (ص)، قائلاً: “إن أسبوع الوحدة يمثل فرصة ثمينة لإعادة قراءة السيرة النبوية وإعادة التفكير في العلاقات داخل العالم الإسلامي”.
وهنأ الدكتور جعفرطیاری بمناسبة ميلاد الرسول الأكرم (ص) والإمام جعفر الصادق (ع) وأسبوع الوحدة، مضيفاً: “مما لا شك فيه أن تزامن أسبوع الوحدة مع الذكرى الـ 1500 لميلاد النبي الأكرم (ص)، هو نداء تاريخي للأمة التي تواجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عواصف التفرقة ومؤامرات الاستعمار”.
وتابع قائلاً: “لقد كان نبي الرحمة (ص) في حياته، رغم كل العداوات والمؤامرات، محوراً للوحدة التي جمعت القبائل العربية المشتتة تحت راية التوحيد. واليوم، يجد العالم الإسلامي نفسه مضطراً للعودة إلى ذلك الجوهر النبوي الثمين لتجاوز الأزمات الهوياتية والسياسية والأمنية؛ ألا وهو «الوحدة القائمة على المشتركات» و«التراحم العابر للحدود المذهبية». إن أسبوع الوحدة هو إرث مبارك من العصر الحديث، برز من خلال الرؤية الثاقبة للإمام الخميني (قدس سره) كمنطلق لإنهاء العداوات المصطنعة بين المذاهب الإسلامية”.
وأوضح رئيس جامعة الأديان والمذاهب: “يجب أن نعتبر الإمام الخميني (ره) المؤسس لنظرية «الوحدة الاستراتيجية» في العالم الإسلامي. فقد عرّف الإمام الوحدة، بخلاف بعض التيارات السطحية التي اعتبرتها أمراً تكتيكياً أو مؤقتاً، بأنها «أصل حيوي» و«فريضة قرآنية». وبإلهام من الآية الشريفة: «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً واحِدَةً»، كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن أي اختلاف عرقي أو لغوي أو فقهي، في مواجهة عدو مشترك مثل الاستكبار والصهيونية، ليس بلا معنى فحسب، بل يُعد خيانة للمبادئ الإسلامية”.
وتابع الدكتور جعفرطیاری: “بعده، واصل الشهيد القائد (الذي يمثل قدوة كاملة للأجيال الثورية في هذه المرحلة الحساسة) هذا المسار ببصيرة نادرة. فقد أكد الشهيد القائد دائماً أن «الوحدة لا تعني تجاهل الحدود الفكرية والفقهية، بل تعني التعاون حول الأصول المشتركة، والاحترام المتبادل، والابتعاد عن التكفير والتشويه»، محذراً بيقظة تامة من مكائد الأعداء لإثارة الخلافات ووضع الملصقات الكاذبة”.
وأكد الأستاذ في الحوزة والجامعة قائلاً: “في الواقع، إن ما نشهده اليوم من خطاب الوحدة في إيران والعديد من الدول الإسلامية، هو ثمرة الجهود النظرية والعملية لهؤلاء العظماء الذين استطاعوا تحويل الوحدة من مفهوم تجريدي إلى مطلب شعبي، ومن ثم إلى مشروع حضاري؛ وهو المشروع الذي يهدف في نهاية المطاف إلى تشكيل «أمة واحدة» مع الحفاظ على التنوع الديني والثقافي. ومما لا شك فيه أن أي خطاب يسعى للتحول إلى واقع ملموس، يحتاج إلى «بنى تحتية فکرية» و«قوى تنفيذية مؤهلة». ومن هنا، تأسست جامعة الأديان والمذاهب، بصفتها واحدة من أهم المؤسسات العلمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لتحقيق هذه المهمة تحديداً، وهي اليوم تمثل نموذجاً مشرقاً للدول الإسلامية الأخرى”.
وأضاف الدكتور جعفرطیاری: “من خلال إدراكها العميق لضرورة التقريب، قامت جامعة الأديان والمذاهب بتنظيم أنشطتها على مستويات عليا، مثل خلق منصات للحوار النخبوي، وتأهيل كوادر علمية وحدة، ورسم نموذج للتقريب القائم على الأصول”.
وفيما يتعلق بمنصات الحوار النخبوي، قال: “من أبرز إنجازات الجامعة عقد الاجتماعات والندوات المشتركة بحضور علماء بارزين من الشيعة والسنة من مختلف الدول. فعلى سبيل المثال، تعتبر المشاورات التي تُعقد بحضور ضيوف من أنحاء العالم مؤشراً على العزم الجاد لهذه المؤسسة لتوفير بيئة آمنة وعلمية لتبادل الآراء حول التحديات المشتركة للعالم الإسلامي. هذه الفعاليات لا تساهم فقط في تعميق المعرفة المتبادلة، بل توفر أيضاً حلولاً عملية للتعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية وحتى الأمنية”.
وعن تأهيل الكوادر العلمية في جامعة الأديان والمذاهب، صرح قائلاً: “إن أحد أهم أصول أي نهضة هو القوى البشرية المتخصصة والملتزمة. لقد نجحت الجامعة، من خلال استحداث تخصصات مبتكرة، في تربية جيل من الباحثين والخريجين الذين لا يتقنون المعارف الإسلامية العميقة فحسب، بل يمتلكون الوعي بالشبهات والفرق المستجدة، مما يمكنهم من الدفاع عن كيان الوحدة الإسلامية في المحافل الدولية وتقديم ردود مستندة إلى الأدلة. هؤلاء الخريجون هم اليوم سفراء للسلام والتراحم في نقاط مختلفة من العالم”.
وحول رسم نموذج التقريب القائم على الأصول، أوضح قائلاً: “لقد أكدت المسؤولون في هذه الجامعة مراراً أن تقريب المذاهب لا يعني أبداً التراجع عن المعتقدات الحقيقية والأصول الدينية المسلم بها؛ بل الهدف هو، بالاعتماد على الموروث المشترك (القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسيرة أهل البيت عليهم السلام) والاستفادة من المناهج العقلانية والأخلاقية، تهميش الخلافات الفقهية والكلامية والاتحاد حول محور «معرفة العدو» و«السعي نحو العدالة». هذا النهج مستمد من الآيات القرآنية والسيرة العملية للإمام علي (ع) الذي كان يفضل وحدة الكلمة على التفرقة في أصعب الظروف، حفاظاً على كيان الإسلام”.
وفي الختام، أضاف الدكتور جعفرطیاری: “إن الأفق القادم، رغم كل الصعوبات والعقبات التي يضعها الأعداء وأدواتهم، هو أفق مشرق؛ لأن هذا الطريق هو طريق الأنبياء والأولياء الإلهيين. لقد أظهرت تجارب العقود الأربعة الماضية أنه كلما اتخذت الوحدة الإسلامية طابع الواقع، حلت التوفيق والنجاحات للأمة، وكلما سادت التفرقة والنزاع، لم تكن النتيجة سوى الخسران وهيمنة الأجانب”.
واختتم قائلاً: “رسالتي النهائية هي أننا اليوم أحوج ما نكون إلى «العقلانية الوحدوية». إن أسبوع الوحدة هو «تمرين اجتماعي» و«مدرسة لتهذيب النفس». وآمل أن نكون جميعاً، وخاصة الشباب والأكاديميين، حراساً أمناء لهذا الإرث الثمين عبر الاقتداء بالسيرة النبوية واتباع توجيهات الإمام الخميني (قدس سره) والإمام الشهيد (قدس سره) السيد آية الله الإمام السيد المجتبى الخامنئي (مد ظله العالي)، لنمهد في ظل الوحدة لظهور المنجي الموعود وتحقيق الحضارة الإسلامية الحديثة”.