«المتشاركون في الإيمان»: روايات الولاء المسيحي لأهل البيت
عُقدت في جامعة الأديان والمذاهب جلسة علمية تخصصية لمناقشة وتقديم كتاب «المتشاركون في الإيمان» (همباوران)، بحضور مؤلف الكتاب الدكتور عباس خامه يار، مستشار رئيس الجامعة للشؤون الدولية.
نُظمت هذه الجلسة بالتعاون بين معاونية البحوث في جامعة الأديان والمذاهب ورابطة الأديان والمذاهب في الحوزة العلمية، وذلك بهدف تحليل أبعاد هذا الكتاب الذي يسرد روايات عن تعلق شخصيات مسيحية بارزة بأهل البيت (عليهم السلام)، وقد لاقت الجلسة ترحيباً واسعاً من الأساتذة والباحثين والطلاب.
في مستهل الجلسة، أشار الدكتور فرمانيان، سكرتير الجلسة، إلى الخلفية المهنية للدكتور خامه يار خلال عمله كمستشار ثقافي لإيران في لبنان ودول عربية أخرى، مستعرضاً ذكرياته وتواصله الواسع مع الشخصيات المسيحية في المنطقة، واصفاً إياه بالشخصية الفذة والمتميزة علمياً ودينياً في البلاد.
كما استعرض نماذج من محتوى الكتاب، ذاكراً شخصيات معروفة مثل جورج جرداق، وسليمان كتاني، وأنطوان بارا، وميشال كعدي، مؤكداً أن هذا العمل هو حصيلة سنوات من التفاعل والصداقة العميقة مع هذه الشخصيات، وليس مجرد تقرير رسمي أو مقابلات إدارية.
وفي كلمة له، أوضح حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد مسجد جامعي (المستشار الأعلى لرئيس جامعة الأديان والمذاهب، وسفير إيران السابق في الفاتيكان) بصفته المتحدث الأول، الخصائص الفريدة للبنان. وأكد أن تصور المسيحيين اللبنانيين للإسلام والتشيع وإيران يختلف جوهرياً عن مسيحيي المنطقة الآخرين كالمسيحيين في مصر أو العراق.
وأشار الدكتور مسجد جامعي إلى تاريخ المدارس الحديثة في لبنان منذ أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر التي أسسها المبشرون، موضحاً أن هذه المدارس، وخلافاً للعديد من المناطق الأخرى، اتخذت نهجاً أدبياً وثقافياً؛ ولهذا السبب، كان الخريجون اللبنانيون أكثر فهماً لأدب العالم الإسلامي ومفاهيمه التاريخية.
واعتبر “نهج البلاغة” بمثابة “المدخل” للمسيحيين اللبنانيين للتعرف على الهوية الأدبية العربية، ومن ثم التعرف على الإمام علي (ع) والإمام الحسين (ع)، واصفاً هذا التيار بأنه أثمر آثاراً خالدة تفوق أحياناً ما أنتجه الشيعة أنفسهم في هذا المجال. كما أشار السفير السابق للفاتيكان إلى عناصر ثقافية وفنية إيرانية مثل رقة الشعر والعمارة المنحنية، التي تعد من عوامل الجذب الحضاري لإيران في قلوب مسيحيي الشرق الأوسط، بعيداً عن الأبعاد السياسية.
وأضاف الدكتور مسجد جامعي في ختام حديثه: “هذا التيار خلق آثاراً كانت أقوى بكثير من الآثار التي أنتجها الشيعة. فالسني في أفضل أحواله يرى علياً (ع) كأحد الخلفاء الراشدين ولا يجد دافعاً للتعرف على علي بذاته. لكن المسيحي يتعرف على علي من خلال علي نفسه؛ فمدخله هو الأدب العالمي، وعندما يصطدم بهذا النص، تكون النتيجة أعمق مما كُتب عادة”.
بعد ذلك، تحدث حجة الإسلام والمسلمين السيد أبو الحسن نواب (مؤسس وعضو الهيئة العلمية في جامعة الأديان والمذاهب) كمتحدث ثانٍ، مستهلاً حديثه بالإشارة إلى الأجواء العلمية والثقافية المنفتحة في جامعة الأديان والمذاهب التي تحققت برعاية قائد الثورة الإسلامية الشهيد، سماحة آية الله العظمى الإمام الخامنئي.
وباستحضار ذكرى عن إخلاص مقام مسيحي لبناني للإمام الحسين (ع) وطقوس تقديم النذور في شهر محرم، أشار إلى عمق نفوذ معارف أهل البيت (عليهم السلام) في النسيج الاجتماعي لمسيحيي الشرق الأوسط، وخاصة في لبنان. وأكد الأستاذ نواب على الوحدة الذاتية للأديان السماوية، مستنداً إلى الآية الكريمة «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ»، معتبراً أن الجوهر المشترك للأديان هو “التسليم لله”، وأن الاختلافات تكمن فقط في الشرائع والمناهج، لا في أصول التوحيد والنبوة الجوهرية.
وأوضح مؤسس جامعة الأديان والمذاهب: “بناءً على ذلك، تختلف علاقات مسيحيي الشرق الأوسط، سواء في الأردن أو سوريا أو العراق أو لبنان أو إيران، تماماً عن علاقة مسيحيي أوروبا وأمريكا بهم. فاعتقادهم وإيمانهم وديانتهم لا تقارن بهم. إن ما جمعه الدكتور خامه يار هو آراء المسيحيين المتدينين في الشرق الأوسط الذين يعتبرون أنفسهم من عائلتنا.
ووصف كتاب «المتشاركون في الإيمان» بأنه تجلٍّ لهذه الوحدة المتعالية ودليل على وحدة المصير بين أتباع الأديان السماوية، مقدراً جهود الدكتور خامه يار في توثيق هذا التراث الثمين.
أما المتحدث الثالث، الدكتور أحمد رضا مفتاح (معاون البحوث في الجامعة وعضو الرابطة العلمية للأديان والمذاهب في الحوزة)، فقد تابع الحديث بمنهجية نظرية مقدماً تصنيفاً لأنواع حوار الأديان؛ حيث عدّد ثلاثة أنواع رئيسية هي: الحوار المعرفي (الإدراكي)، والحوار الوجودي (القلبي)، والحوار الوظيفي.
وأشار الدكتور مفتاح إلى أن معظم الحوارات الرسمية والمؤسسية في إيران والعالم تظل حبيسة المستوى الأول (المعرفي) ولم تحقق نجاحاً كبيراً في المجال الوظيفي، واصفاً عمل الدكتور خامه يار بأنه مصداق بارز لـ “الحوار القلبي” و”الوجودي”، وهو أمر نادر وعالي التأثير. ولفت إلى أن المؤلف وأطراف الحوار في هذا الكتاب حققوا مستوى من التأثير عبر الحديث الصادق والودي، وهو ما نادراً ما يُرى في اللقاءات الرسمية والدبلوماسية.
واعتبر الدكتور مفتاح دراسة هذا الكتاب، خاصة بلسان المخاطبين غير المسلمين، أمراً ثميناً، مؤكداً ضرورة ترجمته إلى لغات مختلفة لتقديم أهل البيت من زاوية جديدة.
وفي الجزء الأخير من الجلسة، تحدث الدكتور عباس خامه يار (مؤلف الكتاب ومستشار رئيس الجامعة للشؤون الدولية) عن دوافع وظروف تأليف هذا الأثر. وأكد أن هذا الكتاب ليس بحثاً تحليلياً فحسب، بل هو حصيلة “تجربة حياتية ورحلة روحية استمرت أربعة عقود” مع شخصيات مسيحية بارزة.
وذكر الدكتور خامه يار جورج جرداق مؤلف كتاب «علي صوت العدالة الإنسانية» الخالد، الذي كان يتحدث وهو على فراش المرض وبغصة ودموع عن ليلة ضربة الإمام علي (ع). كما ذكر جوزف الهاشم، من أسرة الهاشم اللبنانية، وسليمان كتاني، مشيراً إلى عشقهم لإيران الحضارية وليس فقط السياسية. وأكد المؤلف على نقطة هامة وهي أن كتاب «المتشاركون في الإيمان» مليء بالمعلومات الدقيقة والموثقة عن الشخصيات المسيحية والأسباب التاريخية لتوجههم نحو التشيع، وليس مجرد سرد عاطفي. وتحدث عن مقدمة الكتاب التي كتبها الأستاذ القدير آية الله السيد مصطفى محقق داماد، معلناً عن بدء عملية ترجمة الكتاب إلى اللغتين العربية والإنجليزية.
وأضاف خامه يار: “للشاعر المسيحي جورج زكي الحاج ديوان شعري فاخر حول الإمام الحسين (ع). سألته كيف نظمت هذه الأشعار؟ قال: كانت أمي تأخذني رضيعاً إلى مجالس الإمام الحسين (ع) في أيام عاشوراء. وهذه الدموع التي كانت تسيل على وجهي هي ترجمة لتلك الدموع”.
وأكمل خامه يار: “لا أعتقد أن لدينا شاعراً بقوة جورج شكور. إنه يبدع في الحديث عن النبي الأكرم والإمام علي والإمام الحسين، ويخلق ملاحم كبرى في حقهم”. وأشار إلى أن سليمان كتاني كتب 11 مجلداً عن الأئمة الأطهار وخصص المجلد الأخير للإمام الخميني (ره).
وأوضح مستشار رئيس جامعة الأديان والمذاهب: “لقد أجريت بحثاً من 700 صفحة في هذا المجال سيُنشر قريباً إن شاء الله، وقد قمت فيه بتشريح أسباب هذا التوجه، ووجدت أن بوابة دخولهم إلى عالم أهل البيت (عليهم السلام) هي نهج البلاغة بالتحديد. فعندما يدخلون عالم نهج البلاغة، يدخلون في حادثة كربلاء وفي الآلام المشتركة للإمام الحسين مع السيد المسيح، وهذا التلاقي المليء بالألم أنتج أشعاراً فاخرة ومواقف راسخة”.
وفي الختام، عُرض مقطع فيديو لحوار مع الأسقف حسام يوحنا درويش، من أساقفة منطقة البقاع في لبنان ورئيس اللجنة الأسقفية للحوار بين الإسلام والمسيحية، حيث أعرب عن حبه العميق لآل العصمة والطهارة، مؤكداً على ضرورة التقارب والتعاطف بين المسلمين والمسيحيين لمواجهة التحديات المشتركة.
واختتمت الجلسة العلمية التخصصية لمناقشة كتاب «المتشاركون في الإيمان» بتقديم الشكر لكل المتحدثين، والتأكيد على ضرورة الاستفادة من هذه الأعمال القيمة لإثراء المنابر والبرامج الثقافية، بالإضافة إلى الإعلان عن البرامج المستقبلية المتعلقة بترجمة وإعادة نشر هذا الكتاب.