بمناسبة اليوم العالمي للسلام

عقد ويبينار علمي بعنوان «لماذا أصبح السلام صعباً؟»

تاريخ النشر

عُقد ويبينار علمي بعنوان «لماذا أصبح السلام أمراً صعباً؟؛ دور الدين، والجامعة، والدبلوماسية الثقافية في عالم اليوم» بمناسبة اليوم العالمي للسلام، وذلك بتنظيم من الإدارة العامة للشؤون الدولية بجامعة الأديان والمذاهب وبالتعاون مع مركز السلام والحوار، يوم الاثنين الموافق 21 سبتمبر 2026 .

وقد ناقش في هذه الندوة كل من الدكتور حميد رضا شريعتمداري، عضو الهيئة التدريسية في جامعة الأديان والمذاهب، والدكتور رضا غلامي، المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في النمسا، معوقات السلام في العالم المعاصر، وإمكانيات الدين والجامعة والدبلوماسية الثقافية في تعزيز الحوار والتفاهم.

أشار الدكتور حميد رضا شريعتمداري في كلمته إلى النقاشات الدائرة في المجتمع حول العلاقة بين السلام والتفاوض والحرب، مؤكداً على ضرورة تجنب النظرات المطلقة لهذه المفاهيم، قائلاً: «لا يمكن الدفاع عن السلام أو الحرب بشكل مطلق وفي كل الظروف؛ بل ما يجب أن يحظى بالأصالة هو العدالة، والمصلحة العامة، والمصالح الوطنية والعالمية، والقيم الأخلاقية، والإنسانية، والعقلانية، والإيمانية».

وأضاف مؤكداً أن تفضيل السلام لا يعني القبول بأي نوع من الاتفاقات وفي أي ظرف كان: «يمكن أن يكون السلام مطلوباً عندما يكون عادلاً، ولا يُعتبر استسلاماً، ويحقق مصالح الطرفين قدر الإمكان، وتتوفر فيه أسس الديمومة والاستقرار. ومن هذا المنظور، فإن اتخاذ القرار بشأن السلام أو التفاوض يتطلب العقلانية، والتدبير، ومراعاة ظروف واقتضاءات كل موقف». وفي سياق آخر، أشار عضو الهيئة التدريسية بجامعة الأديان والمذاهب إلى بعض آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحرب والسلام، موضحاً أن فهم هذه الآيات يتطلب الانتباه للظروف والقيود الواردة في مجموع التعاليم الدينية، ولا يمكن تفسير بعض آيات القتال والجهاد بشكل مطلق دون النظر إلى الآيات الأخرى والمبادئ الدينية. وبحسب قوله، فإنه في التعاليم الإسلامية، كلما توفرت أرضية السلام والمسالمة، تم التأكيد على الميل نحو السلام وقبوله.

كما نفى الدكتور شريعتمداري كون السلام مرادفاً للاستسلام أو التنازل عن الحقوق، مشدداً على ضرورة الاهتمام المتزامن بالعدالة والمصالح العامة. وفي جزء آخر من كلمته، تطرق إلى دور المؤسسات الاجتماعية والعلمية في تعزيز ثقافة السلام، قائلاً إن الأسرة، ونظام التعليم والتربية، والمؤسسة الدينية، والحوزات العلمية، والجامعات، يمكنها أن تلعب دوراً في تربية الأجيال القادمة على أساس الحوار والمسالمة والعيش السلمي.

كما أشار إلى أهمية الدبلوماسية العامة والثقافية والعلمية، مصرحاً: «حتى في الظروف التي تعاني فيها العلاقات الرسمية بين الدول من التوتر أو التقييد، يمكن للروابط بين الجامعات والمراكز العلمية والمؤسسات الثقافية والمجتمعات الدينية أن تستمر، وتساعد في خلق نوافذ للحوار». وأكد شريعتمداري أن الجامعة والمؤسسات الثقافية يمكنها، إلى جانب دعم الدبلوماسية الرسمية، تهيئة الأرضية للحوار حول قيم مثل السلام والعدالة والحرية وحقوق الإنسان، وخلق سياق للفهم المتبادل بين المجتمعات والأديان المختلفة من خلال الحوارات العلمية والنخبوية.

وفي استكمال الندوة، قدّم الدكتور رضا غلامي محاضرة بعنوان «الصدوع الثمانية عشر للسلام؛ تحليل متعدد المستويات للعوامل الفردية والمؤسسية والأيديولوجية المعيقة للسلام»، حيث استعرض مجموعة من المعوقات التي تواجه السلام في العالم المعاصر.

وفي مستهل كلمته، اعتبر السلام أحد أهم دوافع بناء المجتمع البشري، وقال إن دراسة صعوبات تحقيق السلام تتطلب النظر إلى مجموعة من العوامل الفردية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والمؤسسية.

وفي شرحه للصدوع الثمانية عشر للسلام، ذكر غلامي كلاً من: الفردية المفرطة، والمطلقية المعرفية، وأفول العقلانية، والنزعة التسلطية في الحوار، والقومية غير المتوازنة، ونقص الاقتضاءات الهيكلية للسلام، واقتصاد الحرب السياسي، وفوضى الإدارة الإنسانية للتقنيات الناشئة، وانتشار الأسلحة والتقنيات الحربية الحديثة، كجزء من هذه المعوقات.

كما اعتبر الأزمات البيئية والتنافس على الموارد، وعدم فاعلية بعض مؤسسات الحوكمة العالمية، والهيكل الحالي لمجلس الأمن، وتحديات الديمقراطية، والفجوة بين الشمال والجنوب، والمعايير المزدوجة في التعامل مع حقوق الإنسان، ونسيان العدالة التصالحية والصدمات غير المحلولة، وأفول الفكر التنويري والاستهلاك، وتحريف رسالة الأديان، من العوامل الأخرى التي يمكن أن تجعل مسار الوصول إلى سلام مستدام أمراً صعباً. وأكد المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في النمسا في ختام كلمته أن السلام لا يعني مجرد غياب الحرب، بل هو ظاهرة إيجابية تتطلب بنى تحتية ثقافية وفكرية واقتصادية وسياسية.

وقد صنّف غلامي معوقات السلام في ثلاثة مستويات: (الثقافي – الاجتماعي)، و(الاقتصادي – التكنولوجي)، و(الحوكمة – الحقوق)، مؤكداً على أهمية تعزيز التفكير النقدي، والحوار العقلاني، وسيادة الأخلاق على التكنولوجيا، والاهتمام بالعدالة التصالحية، ومراجعة آليات الحوكمة العالمية. كما اعتبر غلامي دور الأديان مهماً في هذا المجال، مشيراً إلى أن الأديان يمكنها تفعيل طاقاتها الأخلاقية والوحدوية في مسار السلام؛ ولكن في الوقت نفسه، يجب على أتباع الأديان إعادة النظر باستمرار في دورهم ومسؤوليتهم تجاه السلام.

واختتمت الندوة بالتأكيد على ضرورة استمرار الحوارات العلمية وبين الثقافات حول السلام، ودور الجامعات والمؤسسات الدينية والثقافية في تعزيز التفاهم بين المجتمعات، وأهمية استغلال طاقات الدبلوماسية العلمية والثقافية.

المحتوى المشابه